القيادة في زمن رؤية 2030: مهارات المرحلة وصنّاع التحول
نادرة هي اللحظات التاريخية التي تشهد فيها دولة كاملة إعادة تشكيل اقتصادها ومجتمعها وسوق عملها في آن واحد. رؤية المملكة 2030 ليست مجرد وثيقة أهداف؛ إنها اختبار يومي لقدرة آلاف القادة — في الجهات الحكومية والشركات والمنشآت الصغيرة — على إدارة تغيير عميق ومتسارع بثقة واتزان. وفي قاعات التدريب نلمس هذا التحدي مباشرة: لم يعد السؤال «كيف أدير فريقي؟» بل «كيف أقود فريقي عبر تحول لا يتوقف؟».
من المدير المنفّذ إلى القائد المحوّل
النموذج الإداري التقليدي — خطط ثم راقب ثم صحّح — صُمم لبيئة مستقرة لم تعد موجودة. قائد مرحلة التحول يحتاج عقلية مختلفة: يقرأ المتغيرات قبل وقوعها، ويتخذ قرارات جيدة بمعلومات ناقصة، ويتعامل مع الغموض بوصفه مساحة فرص لا مصدر تهديد. والأهم أنه يفهم أن التحول لا يُفرض بالتعاميم؛ الناس لا يقاومون التغيير بقدر ما يقاومون الطريقة التي يُفرض بها عليهم. القائد الذي يشرح «لماذا» قبل «ماذا»، ويُشرك فريقه في تصميم الطريق، يحوّل المقاومة إلى ملكية.
ولهذه المرحلة خصوصية سعودية مميزة: قوة عمل من بين الأصغر سناً في مجموعة العشرين، ومشاركة نسائية تتسع عاماً بعد عام، وأجيال تدخل سوق العمل بطموحات وتوقعات مختلفة جذرياً عمّا سبقها. قيادة هذا المزيج تتطلب ذكاءً عاطفياً عالياً، وقدرة على بناء بيئات عمل شاملة يجد فيها كل فرد مساحته للإسهام والنمو — فالاحتفاظ بالمواهب الوطنية الواعدة صار ميداناً تنافسياً لا يقل ضراوة عن المنافسة على العملاء.
خمس مهارات لقائد المرحلة
من خلال عملنا مع مئات القيادات في القطاعين العام والخاص، تتكرر خمس مهارات بوصفها الفيصل: أولاً، الاستشراف الاستراتيجي — ربط قرارات اليوم بمستهدفات المرحلة وقراءة انعكاساتها بعد سنوات. ثانياً، الطلاقة الرقمية والبيانية — لا أن يصبح القائد محللاً، بل أن يحسن طرح الأسئلة الصحيحة على البيانات وتمييز التحليل الجاد من المبهرج. ثالثاً، قيادة التغيير منهجياً لا ارتجالاً. رابعاً، التواصل المؤثر الذي يحوّل الاستراتيجية إلى قصة يفهمها ويتحمس لها كل موظف. وخامساً، المرونة الشخصية — فالقائد المحترق لا يضيء طريق أحد.
هذه المهارات لا تُكتسب من محاضرة، بل تُبنى كما تُبنى اللياقة: تدريب منظم، وممارسة في مواقف حقيقية، وتغذية راجعة صادقة، وإرشاد من قادة سبقوا. ولهذا تجمع برامجنا القيادية بين المحاكاة ودراسات الحالة المحلية والإرشاد التنفيذي، لأن القيادة سلوك يُصقل لا معلومة تُحفظ.
إن أعظم إرث يمكن أن يتركه قائد في هذه المرحلة ليس مشروعاً أنجزه، بل جيلاً من القادة أعدّه ليكمل الطريق. فاسأل نفسك اليوم: من الذي تبنيه ليقود بعدك؟ وإن لم تجد إجابة واضحة، فتلك أولى مهامك القيادية في خدمة هذا الوطن وطموحه.
د. جاسم الفهاد
مستشار التخطيط الاستراتيجي والتنمية الإدارية
حاصل على الدكتوراه في إدارة العمليات والتكنولوجيا من جامعة أستون البريطانية والماجستير في الإدارة التكنولوجية من جامعة شرق لندن، وخبرة تتجاوز ثلاثة عقود بين العمل الحكومي والأكاديمي والاستشاري. شغل مناصب قيادية منها عميد الكلية التقنية بجامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا ورئيس قسم إدارة الأعمال بالجامعة العربية المفتوحة، وعمل مستشارًا لجهات حكومية في إعداد الخطط الاستراتيجية وتطوير الهياكل التنظيمية. قدّم عشرات البرامج التدريبية في التخطيط الاستراتيجي وبطاقة الأداء المتوازن وإدارة المخاطر لمؤسسات نفطية وحكومية في الخليج.
عرض الملف