من داخل قاعاتنا: برنامج Power BI الذي يحوّل بيانات الجهات الحكومية إلى لوحات قرار

في صباح أحد أيام الأحد بقاعة تدريب في الرياض، جلس عشرون موظفاً من إدارات حكومية مختلفة أمام حواسيبهم المحمولة، وعلى الشاشة الكبيرة سؤال واحد لا رسم بياني فيه: «ما القرار الذي تريد أن تدعمه ببياناتك؟». هكذا يفتتح برنامجنا في ذكاء الأعمال باستخدام Power BI، لأن تجربتنا مع مئات المتدربين علمتنا أن أكبر عائق أمام لوحات البيانات الناجحة ليس تقنياً على الإطلاق، بل غياب السؤال الصحيح الذي ينبغي أن تجيب عنه اللوحة.
صُمم البرنامج وفق دورة الجودة ADDIE التي نعتمدها في جميع برامجنا، لكن ما يلمسه المتدرب فعلياً هو بساطة المعادلة: شرح قصير ثم مختبر عملي طويل. منذ الساعة الأولى تفتح المجموعات Power Query على ملف تصدير مشوّه عمداً — أعمدة مدمجة، وتواريخ بصيغ متضاربة، وقيم مفقودة — لأن هذا تحديداً ما تبدو عليه البيانات في الحياة الواقعية، ولأن من يتعلم تنظيف البيانات على ملفات مثالية سيتعثر عند أول ملف حقيقي يقابله.
مختبرات عملية على بيانات حقيقية
الميزة التي يذكرها خريجو البرنامج دائماً هي العمل على بيانات جهاتهم نفسها. نطلب من كل فريق قبل البرنامج تجهيز مقتطفات مجهّلة من أنظمته — سجلات طلبات خدمة، أو بيانات موارد بشرية، أو أرقام تنفيذ ميزانية — ثم نبني عليها التمارين. وهكذا يتحول النقاش من «كيف أرسم هذا المخطط؟» إلى «لماذا ترتفع مدة إنجاز المعاملات في هذا الفرع تحديداً؟»، وهي نقلة نوعية تجعل التعلّم ملتصقاً بالعمل اليومي منذ اللحظة الأولى.
منتصف البرنامج هو الأصعب والأجمل: النمذجة وقياسات DAX. هنا يكتشف المشاركون أن لوحة البيانات الأنيقة تقف على نموذج بيانات سليم — جداول حقائق وأبعاد وعلاقات مرسومة بعناية — وأن مقياساً واحداً مكتوباً بإتقان يغني عن عشرات الأعمدة المحسوبة. يتجول المدرب بين الطاولات، وتتعالى الأسئلة، ثم تأتي اللحظة التي ننتظرها في كل دفعة: حين يصيح أحدهم فرحاً لأن مقياس المقارنة السنوية عمل أخيراً، ويلتف زملاؤه حول شاشته ليروا الكيف.
ماذا بنى المشاركون؟
في اليوم الختامي تعرض الفرق مشاريعها أمام لجنة تحاكي لجنة قيادية في جهاتهم. بنى فريقٌ لوحة متابعة لطلبات الخدمة تُظهر الالتزام باتفاقيات مستوى الخدمة لحظة بلحظة وتكشف اختناقات المسار قبل تفاقمها، وطوّر فريق الموارد البشرية لوحة لمؤشرات الدوران الوظيفي والتوطين تربط الأرقام بالإدارات والفئات الوظيفية، فيما قدّم فريق ثالث متتبعاً لتنفيذ الميزانية يصل كل بند إنفاق بالمبادرة الاستراتيجية التي يخدمها. لم تكن هذه تمارين تجريبية؛ كانت نسخاً أولى من أدوات عمل حقيقية.
وما يحدث بعد البرنامج لا يقل أهمية عمّا يحدث فيه. وفق منهجية كيركباتريك التي نقيس بها أثر برامجنا، نتابع المشاركين بعد أسابيع من التخرج، والنتائج تتكرر: تقارير أسبوعية كانت تستهلك يومي عمل أصبحت تتحدّث تلقائياً عند فتح الملف، واجتماعات إدارية تحولت من تبادل انطباعات إلى نقاش حول لوحة موحدة يراها الجميع. أحد المشاركين أخبرنا أن مديره طلب عرض اللوحة في اجتماع الوكلاء — وهذه بالضبط اللحظة التي يتحول فيها التدريب إلى أثر مؤسسي.
خلاصة ما نراه في كل دفعة: ذكاء الأعمال لم يعد تخصصاً تقنياً حبيس إدارات تقنية المعلومات، بل لغة قرار يحتاجها كل مدير ومحلل وموظف تخطيط. ومع توجه الجهات الحكومية نحو الحكومة المبنية على البيانات، لم يعد الاستثمار في هذه المهارة ترفاً. البرنامج يقام دورياً في الرياض حضورياً وعن بُعد، وكل ما يحتاجه المشارك حاسوب محمول وفضول صادق تجاه بياناته.
د. صالح الصالح
مستشار الاستراتيجية والحوكمة وذكاء الأعمال
أستاذ علوم الحاسب المساعد بجامعة الملك سعود، حاصل على الدكتوراه في علوم الحاسب الآلي في مجال البيانات الضخمة وذكاء الأعمال من جامعة كوينزلاند للتقنية بأستراليا. شغل مناصب قيادية منها وكيل وزارة التعليم المساعد للشؤون المدرسية ومستشار ذكاء الأعمال بالهيئة العامة للجمارك السعودية، وأشرف على مشاريع حوكمة البيانات وأتمتة إجراءات العمل وتطبيق نظام إدارة الجودة ISO 9001. مدير مشاريع ممارس معتمد برخصة PRINCE2، ويقدّم برامج تدريبية في التخطيط الاستراتيجي ونمذجة وأتمتة الإجراءات واكتشاف المعرفة وإدارتها.
عرض الملف