من ورش تدريب المدربين: ما الذي يصنع المدرب المتميز فعلاً؟

في قاعة ورش بأحد فنادق الرياض، يقف مهندس متمرس أمام لوح ورقي ليقدم أول جلسة تدريبية مصغرة في حياته، مدتها عشر دقائق فقط. يعرف موضوعه أكثر من أي شخص في القاعة، ومع ذلك ترتجف يده قليلاً وهو يكتب العنوان. هذه اللحظة تتكرر في كل دفعة من دفعات برنامج تدريب المدربين، وهي تختصر الدرس الأول الذي يُبنى عليه البرنامج كله: إتقانك للمادة لا يعني قدرتك على تعليمها.
تجمع دفعات البرنامج خبراء من مشارب شتى: محاسبون ومهندسون وأطباء وموظفو موارد بشرية كُلفوا بنقل معارفهم إلى زملائهم، أو طامحون لدخول مهنة التدريب من بابها الصحيح. وعلى مدى أيام الورشة المكثفة، يمر الجميع بالتحول نفسه: من عارضٍ للمعلومات يقف في مركز الضوء، إلى ميسّرٍ للتعلّم يضع المتدرب في ذلك المركز. وهذا التحول ليس شعاراً لطيفاً، بل مجموعة مهارات محددة تُمارَس وتُقاس وتُتقن.
الكبار لا يتعلمون كالصغار
الركيزة العلمية الأولى للبرنامج هي مبادئ تعلّم الكبار. فالمتدرب البالغ لا يمنحك انتباهه لمجرد أنك تقف أمامه؛ إنه يسأل ضمنياً: ما علاقة هذا بعملي؟ ومتى سأستخدمه؟ وماذا يضيف إلى خبرتي؟ لذلك يتعلم المشاركون تصميم جلساتهم انطلاقاً من مشكلات واقعية لا من فهرس المادة، واستدعاء خبرات الحاضرين بوصفها مورداً تعليمياً لا مقاطعةً للعرض، ومنح المتدربين مساحة للتطبيق والخطأ الآمن — فالكبار يتعلمون بالممارسة والمراجعة أكثر مما يتعلمون بالإنصات.
ثم يأتي الانضباط التصميمي. قبل أن يقف الخريج أمام أي قاعة، يكون قد تعلّم صياغة أهداف تعلّم قابلة للقياس، وبناء هيكل الجلسة على إيقاع مدروس يتناوب بين الشرح والتطبيق والنقاش، وإدارة منحنى الطاقة في القاعة — متى يضخ نشاطاً حركياً، ومتى يهدئ الإيقاع ليستوعب الحاضرون فكرة عميقة. وهي العقلية نفسها التي نصمم بها برامجنا وفق دورة ADDIE: لا شيء في الجلسة الجيدة يحدث مصادفة.
الحضور وثقافة التغذية الراجعة
الحضور التدريبي هو المهارة التي يظنها كثيرون موهبة فطرية، ونتعامل معها في الورشة بوصفها حرفة قابلة للتعلّم: نبرة الصوت ومداها، وتوظيف الصمت بعد السؤال بدل الاستعجال بالإجابة، والحركة الواعية في القاعة، وقراءة لغة الجسد لالتقاط الملل أو الحيرة قبل أن يعلنهما أحد. تُسجَّل الجلسات المصغرة وتُشاهَد وتُحلَّل، ويرى المشارك نفسه كما يراه متدربوه — وهي تجربة متواضِعة ومحرِّرة في آن واحد.
أما الدرس الذي يقول خريجونا إنه غيّرهم أكثر من سواه فهو ثقافة التغذية الراجعة. بعد كل جلسة مصغرة تدور جولة تقييم منظمة من الزملاء والمدرب وفق قواعد صارمة: صف السلوك لا الشخص، وكن محدداً بمثال، ووازن بين ما نجح وما يمكن تطويره، واختم باقتراح قابل للتنفيذ في الجلسة التالية. ومع تكرار الجولات يحدث شيء جميل: يبدأ المشاركون بطلب النقد لا الخوف منه، ويحمل كثيرون هذه الثقافة إلى فرقهم ومنظماتهم — وربما كان هذا أبعد آثار البرنامج مدى.
يغادر الخريجون الورشة بحقيبة أدوات مكتملة: نماذج تصميم الجلسات، وقوائم فحص الإلقاء، وأساليب إدارة المواقف الصعبة في القاعة. لكن ما نرجو أن يحملوه قبل ذلك كله هو تواضع المهنة وجوهرها: المدرب المتميز ليس نجم القاعة، بل من يجعل متدربيه نجومها — ومن يخرج متدربوه من جلسته قادرين على فعل ما لم يكونوا يستطيعونه صباح ذلك اليوم، فقد أتقن الحرفة.
أ. حوراء دشتي
مدربة تنمية بشرية ومهارات تواصل
باحثة أولى في الهيئة العامة للمعلومات المدنية بدولة الكويت، حاصلة على بكالوريوس الخدمة الاجتماعية من جامعة الكويت، ومدربة تنمية بشرية أولى محترفة معتمدة من البورد العربي وعدد من المراكز الدولية. قدّمت أكثر من 120 دورة تدريبية في التنمية الذاتية والمجتمعية ومهارات الحياة والتأهيل السلوكي في الكويت وعُمان وقطر منذ عام 2014. ممارس معتمد في التوجيه المهني والشخصي (لايف كوتشينج) ومدربة TOT معتمدة، ومؤسِّسة لمبادرات مجتمعية في الدعم النفسي والاجتماعي.
عرض الملف